الشيخ محمد رشيد رضا
107
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ( مع ضميمة اطلاق لفظ الأمة على جميع أنواع الاحياء لقوله تعالى ( 6 : 38 وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ) وتقدم في تفسيره أن بعض الصوفية قال بتكليف الحيوانات واستدلوا بآية 35 : 24 وان الشعراني ذكر في الجواهر أنه يجوز أن يكون نذرها منها وأن يكونوا من غيرها « 1 » واستدل أيضا بقوله تعالى ( وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ) أي بناء على استئناس الجنس بالجنس وفهمه عنه ، وقد يرد هذا بأنه ثبت في الآن أن الجن يفهمون من رسل الانس . وجملة القول في الخلاف أنه ليس في المسألة نص قطعي والظواهر التي استدل بها الجمهور يحتمل أن تكون خاصة برسل الانس لان الكلام معهم وليست أقوى من ظاهر الآيات التي استدل بها على كون الرسل من الفريقين . والجن عالم غيبي لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص وقد دل الآن - وكذا الحديث الصحيح - على رسالة نبينا ( ص ) إليهم وحكى تعالى عن الذين استمعوا الآن منهم أنهم قالوا ( إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ) فظاهره أنه كان مرسلا إليهم . فنحن نؤمن بما ورد ونفوض الامر فيما عدا ذلك إلى اللّه تعالى ثم إنه تعالى وصف الرسل الذين أرسلهم إلى الفريقين منهم بقوله يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي يتلون عليكم آياتي التي أنزلتها عليكم المبينة لأصول الايمان ، ومكارم الأخلاق وحسنات الاعمال التي يترتب عليها صلاح الأحوال وسلامة المآمال ، وينذرونكم لقاء يومكم هذا باعلامكم ما يقع فيه من الحساب والعقاب على من كفر عن جحود أو ارتياب قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا هذا ما حكاه تعالى من جوابهم عن السؤال عندما يؤذن لهم في بعض مواقف القيامة بالكلام وثم مواقف أخرى لا ينطقون فيها ولا يؤذن لهم فيعتذرون ومواقف يكذبون فيها على أنفسهم بما ينكرون من كفرهم وأعمالهم وتقدم شيء من ذلك . وجوابهم هذا وجيز يدل على أنهم يعترفون بكفرهم ويون باتيان الرسل وبلوغهم دعوتهم منهم أو ممن نقلها عنهم . وأنهم كذبوا واتبعوا أهواءهم . ولذلك قال وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي غرهم متاع الحياة الدنيا من الشهوات والمال والجاه وحب
--> ( 1 ) راجع ص 399 ج 7 تفسير